ابن ميثم البحراني
70
شرح نهج البلاغة
الخامس : نبّهه على إدبار الدنيا ، وعودها حسرة عليه يوم القيامة فقدها مع عشقه لها ، وعدم تمسّكه في الآخرة بعصم النجاة ، وفناء زاده إليها . السادس : أمره بالانتباه من رقدة الجهل والضلال على حال كبر سنّه وفناء عمره فإنّ تلك الحال أولى الأحوال بالانتباه منها ، ونبّهه على أنّه غير قابل للإصلاح في ذلك السنّ بعد استحكام جهله وتمكَّن الهيئات البدنيّة من جوهر نفسه ونهكها له فهو كالثوب الخلق لا يمكن إصلاحه بالخياطة بل كلَّما خيط من جانب تمزّق من آخر . السابع : أخبره في معرض التوبيخ على ما فعل بأهل الشام من خدعته لهم وإلقائهم في موج بحره ، ولمّا كان ضلاله عن دين اللَّه وجهله بما ينبغي هو سبب خدعته لهم نسبها إليه ، واستعار لفظ البحر لأحواله وآرائه في طلب الدنيا والانحراف عن طريق اللَّه باعتبار كثرتها وبعد غايتها ، ولفظ الموج للشبه الَّتي ألقاها إليهم وغرقهم بها فيما يريد من الأغراض الباطلة ، ومشابهتها للموج في تلعّبها بأذهانهم واضطراب أحوالهم بسببها ظاهرة ، وكذلك استعار لفظ الظلمات لما حجب أبصار بصائرهم عن إدراك الحقّ من تلك الشبهات ، ولفظ الغشيان لطريانها على قلوبهم وحجبها لها . ومحلّ تغشاهم نصب على الحال . وكذلك لفظ التلاطم لتلعّب تلك الشبهات بعقولهم . وقوله : فجازوا . عطف على ألقيتهم ، وأراد أنّهم عدلوا عن الحقّ بسبب ما ألقاه إليهم من الشبه واعتمدوا في قتالهم على أحسابهم حميّة الجاهليّة في الذبّ عن أصولهم ومفاخرهم دون مراعاة الدين والذبّ عنه إلَّا من رجع إلى الحقّ من أهل العقول فإنّهم عرفوك وما أنت عليه من الضلال ، فارقوك وهربوا إلى اللَّه من مؤازرتك فيما تريده من هدم الدين حين حملتهم على الأمور الصعبة الهادمة له وعدلت بهم عن قصد الحقّ . وقد كان استغوى العرب بشبهة قتل عثمان والطلب بدمه . فلمّا عرف